بقلم – محمود عبد الرحمن :
عندما نتأمل تفاصيل مشروع شبكة القطار الكهربائي السريع في مصر، يخطئ من يظن أننا أمام مجرد تحديث لأسطول النقل أو إضافة وسيلة مواصلات أكثر رفاهية، بل إن الحقيقة التي يجب أن نقرأها بين سطور هذا المشروع العملاق هي أننا أمام عملية “إعادة هندسة” شاملة للجغرافيا الاقتصادية والديموغرافية المصرية.
فالمشروع لا يعمل في معزل، بل يمثل حلقة جوهرية في طفرة غير مسبوقة تشهدها البلاد؛ بعدما قامت الدولة بتطوير شامل لشريط السكك الحديدية التقليدي من تحديث القضبان، وميكنة الإشارات، ودعم الأسطول بقطارات حديثة، بالتوازي مع ثورة شبكات الطرق والكباري الممتدة في ربوع الجمهورية، وتحديث أسطول أتوبيسات “السوبرجيت”، وأتوبيسات شركات شرق وغرب ووسط الدلتا، والصعيد للنقل والسياحة “ايجي باص”، وإدخال وسائل نقل لأول مرة في تاريخ مصر كـ “المونوريل” والقطار الكهربائي الخفيف LRT ، والأتوبيس الترددي السريع “BRT”، والتوسع في تطوير خطوط المترو وتحديثها.
وهذه النقله المتكاملة جاءت تحت توجيهات وخطة محكمة وصارمة من الرئيس عبد الفتاح السيسي، وبمتابعة ميدانية دؤوبة لا تتوقف من “دينامو” المنظومة الفريق مهندس كامل الوزير، لنكون أمام رؤية استراتيجية شملت كل شبكات النقل على أرض مصر.
ففي قلب هذه الرؤية المتكاملة، يأتي القطار الكهربائي السريع بـ “فلسفته التنموية” التي لا تقاس بالسرعة القصوى للمحركات فحسب، بل بقدرته على ربط أطراف الجمهورية ومحاورها الاقتصادية بشبكة نقل جماعي أخضر ومستدام تخدم الركاب والبضائع على حد سواء.
فحين يمتد الخط الأول من العين السخنة على البحر الأحمر إلى العلمين ومطروح على البحر المتوسط بطول 660 كيلومترا، فنحن لا نختصر الوقت بين الشواطئ فقط، بل نخلق ممرا لوجستيا يربط الموانئ بالمناطق الصناعية، وهو ما جعل وصفه بـ “قناة سويس جديدة على القضبان” يعكس دوره الحقيقي في ربط البحرين بشريان بري فائق السرعة، ليتحول هذا الامتداد الشمالي بصورة طبيعية نحو الجنوب، حيث يأتي الخط الثاني الذي يمتد لنحو 1100 كيلومتر من أكتوبر حتى أسوان وأبو سمبل ليمنح صعيد مصر حقه الاستراتيجي في التنمية، من خلال دمج محافظاته في عصب الاقتصاد القومي وتحويلها إلى مناطق جذب للاستثمار والسياحة، مكتملة بالخط الثالث الذي يصل قنا بالغردقة وسفاجا ليصنع مثلثا تنمويا يربط النيل بالبحر الأحمر.
وهذا التكامل الميداني الواعد يتجسد اليوم في جدول زمني واضح وملموس، إذ يضعنا الإعلان عن بدء التشغيل التجريبي للخط الأول في سبتمبر 2026 أمام لحظة فارقة تنتقل بالمشروع من مرحلة الإنشاءات الهندسية المعقدة إلى مرحلة الاختبارات الحقيقية على أرض الواقع، حيث سيخضع الخط الأول خلال فترة الاختبار لتقييم شامل يضمن جاهزية أسطوله المتنوع—الذي يضم 15 قطارا سريعا و34 قطارا إقليميا و14 جرارا لنقل البضائع—لتنفيذ هذا الدور المزدوج بكفاءة عالية.
ومن هنا يتضح أن مصر، ومن خلال منظومة النقل الذكية والمتكاملة التي شيدت خلال السنوات الأخيرة، لم تعد تبني مجرد طرق أو خطوط سكة حديد منفصلة، بل تؤسس لشبكة تنموية شاملة تجمع بين السرعة، والاستدامة البيئية، والربط اللوجستي؛ فالسكك الحديدية التقليدية ووسائل النقل الحديثة تتكامل اليوم لتبني الحاضر وتستشرق المستقبل، لتصبح هذه الشبكة الكهربائية العملاقة القاطرة الفعلية التي تدفع عجلة الاقتصاد المصري، وتضع البلاد في مكانتها المستحقة كمركز إقليمي ولوجستي محوري في المنطقة.

نقابة السكة الحديد الموقع الرسمي للنقابة العامة